قلم. الدكتور. احمد السفاح
القاهرة – أغسطس 2025
يشهد العالم في السنوات الأخيرة تطورًا نوعيًا في النظرة إلى الإدمان، ليس فقط بوصفه اضطرابًا سلوكيًا، بل كأحد أبرز تحديات الصحة النفسية والعقلية في العصر الحديث. وبالتوازي مع ذلك، تتغير مناهج التعافي بوتيرة غير مسبوقة، حيث يتم دمج العلم بالتكنولوجيا، والروح بالعقل، في محاولة لرسم طريق شامل ومستدام للنجاة من قبضة الإدمان.
من مدارس العلاج السلوكي المعرفي والقبول والالتزام، إلى نماذج الدعم الجماعي ومقاربات الرعاية المتواصلة، أصبحت مسارات التعافي أكثر تنوعًا ومرونة، تستجيب للفروق الفردية، وتُراعي الخلفيات الثقافية والاجتماعية للمدمنين.
●○ من العلاج إلى التعافي: تغيير في المفهوم قبل الأسلوب
حتى وقت قريب، كان التعامل مع الإدمان يقتصر في كثير من المراكز على سحب السموم وبعض الجلسات النفسية، دون نظر شامل للإنسان وسياقه النفسي والاجتماعي. أما اليوم، فقد تغير المشهد كليًا. أصبح التعافي عملية مستمرة تمتد لفترة طويلة، تشمل تغييرات في نمط الحياة، والدعم المجتمعي، وتأهيل مهني، ورقابة ذاتية مستمرة.
ووفقًا لتقارير دولية صادرة عن منظمة الصحة العالمية، فإن برامج التعافي الأكثر نجاحًا هي تلك التي تُعامل المدمن المتعافي كشخص بحاجة إلى "رعاية مزمنة" لا تقل في تعقيدها عن حالات مثل السكري أو الضغط أو الاكتئاب.
●○ منهجيات جديدة: من CBT إلى ACT إلى Hybrid Models
من أبرز التوجهات الحديثة في مجال التعافي اعتماد نماذج هجينة، تجمع بين:
العلاج السلوكي المعرفي (CBT): والذي يساعد المريض على تفكيك أنماط التفكير التي تؤدي للتعاطي، وتعلم مهارات التفكير الواقعي.
العلاج بالقبول والالتزام (ACT): الذي يوجه الشخص نحو القبول بواقعه الداخلي دون مقاومة، مع الالتزام بقيمه الحياتية العميقة.
نموذج Matrix: الذي يعتمد على البنية والتنظيم اليومي، والتدخلات الأسرية، مع تدريب على مهارات التواصل.
الدعم الجماعي (12 Step): والذي يقدم محتوى روحانيًا وتجريبيًا يساعد في الاستمرار والبقاء في التعافي.
وقد أظهرت الدراسات أن الدمج بين هذه النماذج يزيد من معدلات الاستبقاء في العلاج، ويقلل احتمالات الانتكاسة بنسبة قد تصل إلى 40% مقارنة بالعلاج التقليدي.
○● التكنولوجيا تدخل خط المواجهة
شهد عام 2024 طفرة في استخدام التكنولوجيا في علاج الإدمان. فمع التقدم في تطبيقات الهواتف الذكية، أصبحت هناك أدوات توفر:
تتبع يومي للرغبات والتقلبات المزاجية.
تنبيهات فورية للعودة إلى السلوك الصحي.
جلسات علاجية عن بُعد بالفيديو.
مجتمعات تعافي افتراضية.
ومن الابتكارات اللافتة استخدام الواقع الافتراضي (VR) في تدريب المرضى على التعامل مع مثيرات الانتكاسة. كما بدأ استخدام الذكاء الاصطناعي (AI) في تحليل البيانات الخاصة بكل مريض للتنبؤ بسلوك الانتكاسة قبل حدوثه.
○● البحث العلمي يقود الطريق
كشفت تقارير من عدة مراكز بحثية في أوروبا وكندا أن الطابع الفردي للإدمان هو مفتاح التعافي. فلكل مريض "خريطة إدمانية" خاصة به، تتأثر بخلفيته النفسية، وأسلوب تربيته، وصدماته، وجيناته.
وتقوم مؤسسات مثل Better Pathways Institute وRecovery Science Lab بتطوير نماذج تعتمد على تحليل البيانات الشخصية لبناء خطة علاج خاصة بكل حالة.
وفي هذا السياق، بدأت كيانات ، وهي هيئات ومؤسسات بحث وتدريب مصرية متخصصة في الصحة النفسية، تنفيذ دراسات ميدانية بالتعاون مع معالجين وأطباء نفسيين لرصد أنماط التعافي في البيئة المصرية، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى الدعم المؤسسي أو يسودها الفقر والتهميش.
☆ورسالتي
> "هي فهم ماذا يعني التعافي في السياق العربي، وكيف يمكن أن نطوّع النماذج الغربية لتناسب ثقافتنا وقيمنا الاجتماعية. ما يصلح في كندا لا يمكن نسخه كما هو في صعيد مصر، والعكس صحيح."
● تحديات أمام طريق التعافي
رغم التقدم المذهل في الأدوات والأساليب، ما زال الطريق محفوفًا بالتحديات، أبرزها:
1. الوصمة المجتمعية: ما زال كثيرون يرون المدمن على أنه منحرف أخلاقي، وليس مريضًا يحتاج للعلاج.
2. ضعف خدمات ما بعد التعافي: كثير من البرامج تنتهي عند الخروج من المركز، مما يترك المتعافي في مواجهة المجتمع دون دعم.
3. نقص الكوادر المتخصصة: العلاج الفعّال يتطلب متخصصين مدربين على أحدث الطرق، وهو أمر غير متوفر بما يكفي.
4. غياب التشريعات الداعمة: لا تزال بعض القوانين تعرقل دمج المتعافين في سوق العمل أو التعليم.
● التجربة العربية.. أمل يتشكل بهدوء
في العالم العربي، بدأت بعض الدول تدرك أهمية دمج التعافي في الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية.
ففي السعودية، تم إدماج علاج الإدمان في منظومة التأمين الصحي.
وفي الإمارات، انطلقت برامج تعليمية لتأهيل مرشدين تعافٍ من المتعافين أنفسهم.
وفي مصر، يُسجَّل تزايد واضح في عدد المبادرات الأهلية ومراكز التأهيل التي تسعى للجودة والاعتماد الدولي، بدعم من منظمات مثل صندوق مكافحة الإدمان، وعدد من الجامعات.
● التعافي رحلة لا وجهة
ربما يكون الدرس الأهم من كل التطورات الأخيرة هو أن التعافي لم يعد هدفًا نهائيًا، بل عملية مستمرة من النمو والعودة للنفس.
المتعافي لا يحتاج فقط إلى دواء أو جلسة، بل إلى "رؤية جديدة للحياة"، وإلى "مجتمع يمد يده بدل أن يُشيح بوجهه".
● نحو رؤية أفضل للتعافي
لا شك أن هناك صحوة حقيقية في العالم الآن تجاه ملف الإدمان، ليس فقط كمرض، بل كأحد أوجه المعاناة الإنسانية العميقة.
وهنا تأتي أهمية المبادرات التي تتبناها مؤسسات وجمعيات وطنيه ، والتي تُعيد النظر في التعافي باعتباره مشروعًا حضاريًا، يتطلب مشاركة كل أطراف المجتمع، من الأسرة إلى الإعلام، ومن الطبيب إلى صانع القرار.
لقد آن الأوان أن نُعيد بناء مفهوم "النجاة"، لا على أساس التوقف عن التعاطي فقط، بل على أساس استرداد الكرامة، وإعادة المعنى للحياة.
